الشيخ محمد النهاوندي
402
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
قال : من أجرم إلى آل محمد وركب من وصيّته ما ركب » « 1 » . [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 20 إلى 28 ] أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 24 ) أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ( 27 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 28 ) ثمّ أنكر سبحانه على الكفّار تكذيبهم بالمعاد لاستبعادهم إياه بتقريرهم بالخلق الأول الدالّ على إمكان الخلق الثاني وقدرته عليه بقوله : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ أيّها المنكرون للمعاد في الدنيا بقدرتنا مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ومبتذل لا يعتنى به ، والنّطفة القذرة التي يتنفّر منها فَجَعَلْناهُ ومكّناه فِي قَرارٍ ومقرّ مَكِينٍ وحصين ومحفوظ من الآفات والعوارض الخارجية ، وهو الرّحم الذي هو وعاء الولد حال كونه باقيا فيه إِلى قَدَرٍ وأجل معين ومقدار مَعْلُومٍ من الوقت الذي قدّره اللّه تعالى للولادة ، وهو من ستة أشهر إلى تسعة أشهر فَقَدَرْنا وخلقنا جسده وأعضاءه وجوارحه أكمل خلق فَنِعْمَ الْقادِرُونَ نحن . قيل : يعني فقدرنا في ذلك المكان الضيق المظلم على خلقه وتصويره كيف شئنا ، فنعم القادرون حيث خلقناه على أحسن صورة وهيئة « 2 » تكون مع صغره أنموذجا للعالم الكبير . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بقدرتنا على إعادته التي هي أهون . قيل : إنّ اللّه تعالى خوّف الكفّار بكثرة نعمه عليهم ، فانّ نعم المنعم إذا كانت أكثر كان عصيانه أقبح وعقابه أشدّ « 3 » ، فذكر اللّه سبحانه في الآية السابقة نعمة التي في أنفسهم ، ثمّ ذكر نعمه الخارجية الآفاقية بقوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ لكم الْأَرْضَ الواسعة التي تحت أقدامكم كِفاتاً وجامعا أو حافظا « 4 » أو مساكن في حال كونكم أَحْياءً وَ كونكم أَمْواتاً . روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، أنّه نظر في رجوعه من صفّين إلى مقابر الكوفة ، وقال : « هذه كفات الأموات » ثمّ نظر إلى بيوت الكوفة فقاله : « هذه كفات الأحياء » أي مساكنهم ، ثمّ تلا هذه الآية » « 5 » . وَجَعَلْنا لكم بعد خلق الأرض فِيها جبالا رَواسِيَ وثوابت شامِخاتٍ ومرتفعات
--> ( 1 ) . الكافي 1 : 361 / 91 ، تفسير الصافي 5 : 269 . ( 2 ) . تفسير الرازي 30 : 273 . ( 3 ) . تفسير الرازي 30 : 273 . ( 4 ) . كذا ، والظاهر : وجامعة أو حافظة . ( 5 ) . تفسير القمي 2 : 400 ، تفسير الصافي 5 : 269 .